الشيخ محمد رشيد رضا

93

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

العذاب من هذه النفوس مأخذه وبلغت العقوبة مبلغها فانكسرت تلك النفوس وخضعت وذلت واعترفت لربها وفاطرها بالحمد وانه عدل فيها كل العدل وانها في هذه الحال كانت في تخفيف منه ولو شاء أن يكون عذابهم أشد من ذلك لفعل وشاء كتب العقوبة « 1 » طلبا لموافقة رضاه ومحبته وعلم أن العذاب أولى بها وانه لا يليق بها سواء ولا تصلح إلا له فذابت منها تلك الخبائث كلها وتلاشت وتبدلت بذل وانكسار وحمد وثناء على الرب تبارك وتعالى - لم يكن في حكمته أن يستمر بها في العذاب بعد ذلك إذ قد تبدل شرها بخيرها وشركها بتوحيدها وكبرها بخضوعها وذلها . ولا ينتقض هذا بقوله عز وجل ( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ) فان هذا قبل مباشرة العذاب الذي يزيل تلك الخبائث وإنما هو عند المعاينة قبل الدخول فإنه سبحانه قال ( وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) فهذا انما قالوه قبل أن يستخرج العذاب منهم تلك الخبائث . فأما إذا لبثوا في العذاب أحقابا - والحقب كما رواه الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « الحقب خمسون الف سنة » - فإنه من الممتنع أن يبقى ذلك الكبر والشرك والخبث بعد هذه المدد المتطاولة في العذاب الوجه العشرون - انه قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري في حديث الشفاعة « فيقول اللّه عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبقى إلا ارحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج أحبة من حميل السيل فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء اللّه الذين ادخلهم اللّه الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ، فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه النار بحيث صاروا حمما وهو الفحم المحترق بالنار . وظاهر السياق انه لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير فان لفظ الحديث هكذا « فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا فيقول اللّه عز وجل شفعت

--> ( 1 ) قوله وشاء كتب العقوبة الخ هكذا في النسخة المطبوعة